
التمرد على القوامة والشرعية القضائية: قراءة فلسفية وقانونية في تعنت الزوجة "الحانقة" وحجب الأطفال في الواقع اليمني
للمحامي / مراد حسان المعافري
#اعرف_حقك_وقانونك ⚖️🇾🇪
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المستقر عليه فقهاً وقانوناً أن مصلحة الصغير هي الحاكمة لكافة أحكام الحضانة والرؤية. وبتطبيق هذا الأصل الأصيل على واقعة قيام الزوجة بحجب الأطفال عن والدهم لمجرد وجود خلاف زوجي ومغادرتها مسكن الزوجية إلى بيت أهلها (وهي الحالة التي يُصطلح عليها في العرف والواقع اليمني بـ "الحانقة")، نجد أن هذا التصرف لا يمثل فقط ضرراً نفسياً بالغاً بالأطفال وتعسفاً ظاهراً، بل يتجاوز ذلك ليتحول إلى معضلة أعمق تمس أركان الشريعة وهيبة القانون.
وعندما يتقدم الزوج بطلب مستعجل إلى القضاء لتمكينه من رؤية أطفاله، فتقبل المحكمة طلبه وتوجه بموجبه، ثم ترفض الزوجة الامتثال تعنتاً وانتقاماً، فإن المشكلة هنا تتحول جذرياً؛ إذ لم نعد أمام مجرد عناد أسري، بل أمام حالة تمرد مركب: عصيان للزوج، ومخالفة صارخة لشريعة الله، ورفض واستهانة بأحكام القضاء الواردة باسم الشعب.
فيما يلي تفكيك لهذه الأبعاد الثلاثة وفق فلسفة قانونية وشرعية واقعية:
أولاً: مخالفة شريعة الله وعصيان الزوجة لزوجها (البعد الشرعي والأسري)
إن الزوجة "الحانقة" التي تغادر بيتها دون طلاق أو انفساخ لعقد النكاح، لا تزال في عصمة زوجها شرعاً وقانوناً، وبالتالي فإن الرابطة الزوجية بكامل حقوقها وواجباتها تظل قائمة ومستمرة.
ومن هذا المنطلق، فإن تعنتها ورفضها لتمكين الزوج من رؤية أبنائه يمثلان هدمًا لأركان الاستقرار الأسري الذي وضعه الإسلام.
تتجلى هذه المخالفة في تفريطها بأصل طاعة الزوج القائمة على القوامة التي قررها الله تعالى في محكم كتابه بقوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ}؛ فالقوامة هي مسؤولية التوجيه، والرعاية، والتدبير التي خص الله بها الرجل لما فيه من خصائص وما تكبده من مهور ونفقات، وطاعة الزوجة لزوجها في المعروف هي صمام أمان الأسرة. وعندما تتمرد المرأة على هذه المنظومة وتستبد بالأولاد، فإنها تخالف الوصف الشرعي للمرأة الصالحة الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه: «خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ».
إن محاولة الزوجة الاستقواء بأهلها وحجب الأطفال لنيل مكاسب شخصية أو للضغط على الزوج، تعكس رغبة في قلب موازين الولاية والقيادة داخل الأسرة، وهو مسلك محكوم عليه بالفشل والاضطراب؛ إذ يُستأنس هنا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً»، والذي يؤكد في عموم دلالته الفلسفية والاجتماعية أن خروج الأمور عن طبيعتها الفطرية والشرعية في القيادة والرعاية—سواء على مستوى الدولة أو الأسرة—يؤدي إلى خلل في الكيان الأسري واضطراب شؤونه.
علاوة على ذلك، فإن منع الأب من رؤية أبنائه هو قطع صريح لأقوى أواصر القرابة، وتأثيم شرعي تقع فيه الزوجة ومن يعاونها من أهلها، مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ». فأي قطع للرحم أشد إيلاماً وبشاعة من قطع صلة الأب بأبنائه الصغار؟
ثانياً: التمرد على أحكام القانون كشخص ومواطن (البعد الضبطي والتنفيذي)
حين ترفض الزوجة تنفيذ توجيه القضاء المستعجل، ينقلب وصفها من "زوجة ناشز وعاصية" في النطاق الأسري، إلى "مواطن متمرد على سلطة الدولة" في النطاق العام. فالقانون اليمني لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذا التعنت؛ إذ نصت المادة (335) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني على أن الأحكام والأوامر الصادرة بتسليم الصغير أو المتعلقة بالحضانة تكون واجبة التنفيذ المعجل فور صدورها وبقوة القانون.
وعليه، فإن امتناع الزوجة يضعها في مواجهة مباشرة مع وسائل الإجبار القانوني.
فوفقاً للمادتين (357) و(358) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني، يحق لقاضي التنفيذ فرض غرامة تهديدية مالية ضد المنفذ ضده الممتنع. وإذا استمر التعنت، فإن المادة (359) توجب على القاضي أن يصدر قراراً بحبسها حتى تقوم بالتنفيذ.
والجدير بالذكر أن المشرع اليمني في المادة (364) من نفس القانون، ورغم أنه وضع قيوداً تمنع حبس بعض الفئات مدنياً (كالأصول والدائنين لغير النفقة)، إلا أنه استثنى بشكل صريح وحاسم حالة "الحبس من أجل تسليم صغير أو قاصر"؛ مما يعني أن القانون اليمني يجيز حبس الزوجة المتمردة (وحتى من يحميها أو يخفي الأطفال من أهلها) حمايةً لحق الصغير وحق والده في الرؤية والتسليم. هذا الانتقال من التدابير المدنية إلى التدابير القسرية يعكس الفلسفة القانونية التي ترى في عناد المرأة تهديداً لسيادة العدالة وهيبة الأحكام القضائية.