مشروعية الإجراءات الجنائية... الأساس الذي تُبنى عليه عدالة الحكم

مشروعية الإجراءات الجنائية... الأساس الذي تُبنى عليه عدالة الحكم
إعداد: 
ألأستاذ مبارك بجاش البكاري 
#اعرف_حقك_وقانونك ⚖️🇾🇪
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذا كان الدليل هو الوسيلة التي تكشف الحقيقة أمام القضاء، فإن قيمة هذا الدليل لا تُقاس فقط بما يحمله من معلومات، وإنما بالطريقة التي تم الحصول عليه من خلالها؛ لأن العدالة لا تبحث عن حقيقة مجردة بأي وسيلة، بل تبحث عن حقيقة وصلت إليها الإجراءات القانونية السليمة. فالدليل المشروع هو الذي يستطيع أن يحمل ثقة القضاء، لأن سلامة النتيجة ترتبط دائماً بسلامة الطريق المؤدي إليها
ومن هنا فإن الإجراءات الجنائية لا تمثل مجرد خطوات تنظيمية تبدأ بها الدعوى وتنتهي بانتهاء التحقيق، وإنما هي الإطار الذي يضمن أن تمارس السلطة صلاحياتها في الحدود التي رسمها القانون. فكل إجراء يتم في مرحلة جمع الاستدلالات أو التحقيق قد يكون له أثر مباشر على قيمة الأدلة التي تُعرض لاحقاً أمام المحكمة، ولذلك فإن احترام الإجراءات منذ البداية هو حماية لعدالة الحكم قبل أن يكون حماية لشكل الدعوى.
ولهذا لم يضع القانون القواعد الإجرائية لمجرد ترتيب العمل بين الجهات المختصة، وإنما وضعها لتحقيق توازن دقيق بين حق المجتمع في مواجهة الجريمة، وحق الفرد في ألا تستخدم السلطة ضده إلا في حدود القانون
فمكافحة الجريمة لا تتحقق بمجرد الوصول إلى نتيجة، وإنما تتحقق عندما تكون النتيجة قائمة على إجراءات تمنحها المشروعية والقبول.
ومن هذا المنطلق تظهر المسؤولية الكبيرة لعضو النيابة العامة، باعتباره أحد أهم الحلقات التي تبدأ منها سلامة الدعوى الجنائية؛ فدوره لا يقتصر على جمع ما يؤيد الاتهام، وإنما يمتد إلى البحث عن الحقيقة من خلال تحقيق متوازن يراعي حقوق جميع الأطراف. فكلما كان التحقيق قائماً على الدقة والتجرد واحترام الضمانات القانونية، أصبح الطريق أمام المحكمة أكثر وضوحاً للوصول إلى حكم يقوم على أساس صحيح.
وبناءً على سلامة هذه الإجراءات، يأتي دور المحامي في فحص عناصر الدعوى ومراجعة الطريقة التي جُمعت بها الأدلة، لأن الدفاع المهني لا يبدأ فقط من مناقشة الدليل أمام المحكمة، بل يبدأ من معرفة مدى مشروعية وجود هذا الدليل أصلاً
فالدفاع الحقيقي لا يقوم على تعطيل العدالة، وإنما على التأكد من أن العدالة سارت في الطريق الذي حدده القانون.
وعندما تصل الدعوى إلى المحكمة، لا يكون دور القاضي مقصوراً على تقدير مضمون الأدلة، بل يمتد إلى التحقق من سلامة الأساس الذي قامت عليه؛ لأن القاضي لا يحمي العدالة عندما يبحث عن الإدانة فقط، وإنما يحميها عندما يتأكد أن كل خطوة سبقت الحكم قد تمت وفق الضوابط القانونية.
فالحكم العادل لا يحتاج فقط إلى دليل قوي، بل يحتاج إلى دليل وصل إلى المحكمة عبر طريق مشروع.
ومن هنا فإن مشروعية الإجراءات لا تمثل قيداً على عمل جهات العدالة، بل تمثل الضمان الذي يمنح هذا العمل قيمته الحقيقية؛ لأن السلطة عندما تلتزم بالقانون تزداد قوتها، والدليل عندما يُجمع بطريقة صحيحة تزداد حجيته، والحكم عندما يُبنى على إجراءات سليمة يزداد احترامه وقبوله.
ولهذا فإن العدالة الجنائية لا تبدأ من لحظة النطق بالحكم، وإنما تبدأ منذ أول إجراء يُتخذ في القضية، فسلامة البداية تقود إلى سلامة التحقيق، وسلامة التحقيق تقود إلى دليل مشروع، والدليل المشروع يقود إلى حكم قادر على إقناع الخصوم والمجتمع بأن العدالة لم تتحقق بالنتيجة فقط، بل تحققت بالطريق الذي أوصل إليها.للنقاش المهني:
هل ترون أن أهم ضمانة لتحقيق العدالة الجنائية تكمن في دقة إجراءات التحقيق منذ بدايتها، أم في قدرة المحكمة على مراقبة هذه الإجراءات عند نظر الدعوى؟ وكيف يمكن تحقيق التكامل بين دور التحقيق ودور القضاء في حماية الحقوق والوصول إلى الحقيقة؟

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.