The principle of judicial independence

  

 مبدأ استقلالية القاضي(القضاء)

إعداد: المحامي جهدالدين محمد الصلاحي

   1447هـ الموافق 2026م                                                      

مقدمة :

يعتبر القاضي موظف عام إلا أن وظيفته ذات شأن عظيم تكمن خطورتها بأنها تتناول رقاب الناس وأموالهم الأمر الذي استلزم إحاطة القاضي بالعديد من الضمانات سواء تجاه السلطات أو الأفراد أو حتى عامة الناس ومن أهم تلك الضمانات مبدأ استقلال القاضي الذي يعتبر من أهم المبادئ الدستورية في مختلف أنظمة العالم ودساتيرها باعتباره الركيزة الأساسية لأداء القاضي لمهمته السامية دونما خوف أو خضوع لسلطة وسوف نتطرق في هذا البحث لطبيعة هذا المبدأ وأساس وجوده وما مظاهر مبدأ استقلال القضاء وما الضمانات التي تكفل تطبيقه وما الآثار المترتبة على إعمال هذا المبدأ وما موقف الدستور والقانون اليمني من هذا المبدأ وعليه فسوف يكون هذا البحث مكون من مبحث واحد يتضمن ثلاثة مطالب وكل مطلب يتفرع لعدة فروع كما يلي:

 المطلب الأول: بيان مفهوم استقلال القضاء وأهميته وأساسه:

الفرع الأول : تعريف مبدأ استقلال القاضي أو القضاء:

يقصد باستقلال القضاء, عدم جواز التدخل والتأثير من قبل الغير على ما يصدر عنه من إجراءات وقرارات وأحكام, والتدخل والتأثير مرفوض سواء كان مادياً أو معنوياً وسواء تم بكيفية مباشرة أو غير مباشرة وبأية وسيلة من الوسائل ويدخل في نطاق الممنوع من التدخل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وغيرهما من أشخاص القانون العام والخاص , كما يدخل في نطاقه الرؤساء الإداريون للقضاة وأطراف الدعوى .            {عبدالرحمن بن عمرو :استقلال القضاء بين التشريع والواقع صفحة 1} 

أو هو ((عدم خضوع القاضي عند قيامه بالقضاء بين الناس إلا للقانون, فواجب القاضي في تطبيق القانون يقتضي منه معرفة إرادة المشرع على الوجه الصحيح)                     

(أ/هند محمد المقصبي :مبدأ استقلال القضاء_أستاذة بقسم القانون العام كلية الحقوق جامعة طرابلس- ليبيا مجلة العلوم القانونية المجلد العاشر -العدد الثاني-ديسمبر 2022م صفحة 125) 

وقد عرفت منظمة العفو الدولية استقلال القضاء بأنه يقصد به: أن يصدر الحكم في أية قضية مطروحة أمامها في إطار من الحيدة وعلى أساس الوقائع, وطبقاً لأحكام القانون, دون تدخل أو ضغوط أو تأثير غير مناسب من أي سلطة أخرى حكومية أو غير حكومية. كما أن الاستقلالية تعني أن يكون المعيار الأول في اختيار الأشخاص الذين يتولون مناصب القضاء هو خبرتهم القانونية.          

(د/رزكار محمد قادر : استقلال القضاء كونه ركيزة من ركائز المحاكمات العادلة -مجلة الرافدين للحقوق, المجلد 11 -العدد39-السنة 2009م صفحة 217) فلا يمكن أن توجد عدالة حقيقية اذا لم يكن القضاء القائم بها مستقلاً عن جميع السلطات ومتحرراً من جميع مؤثرات الرهبة والخوف سواء كانت من جانب الدولة أو من جانب الخصوم أم من جانب الرأي العام (أي أفراد المجتمع ) ولقد اهتدى الفكر القانوني بعد جهاد طويل إلى أن استقلال القضاء يعتبر الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة وحماية الحقوق والذود عن الحريات .                 {د/سعيد خالد علي جباري الشرعبي : أصول قانون القضاء المدني دراسة في أساسيات قانون المرافعات اليمني رقم (40) لسنة 2002م الطبعة الرابعة صفحة 180)

ويقصد بالمفهوم الشخصي لمبدأ استقلال القضاء :

 توفير استقلالية تامة للقضاة كأشخاص وإبعادهم عن أي رهبة أو سلطة حاكمة وجعلهم خاضعين لسلطان القانون فقط . 

بينما يقصد بالمفهوم الموضوعي أو الوظيفي لاستقلال القضاء : هو وحدانية السلطة القضائية واعتبارها المرجع العام الوحيد لفض المنازعات لجميع المواطنين دون تمييز أو تحيز ودون وجود هيئات متعددة.                                    (أ/هند محمد المقصبي :مرجع سابق صفحة 126)

الفرع الثاني: أهمية مبدأ استقلال القضاء :

تكمن أهمية مبدأ استقلال القضاء في توطيد مبدأ سيادة القانون بحيث تخضع جميع السلطات والكيانات والمؤسسات في الدولة للقانون ويتم ذلك بالاحتكام لسلطة قضائية مستقلة فبدون هذا الاستقلال يصبح مفهوم سيادة القانون بلا فائدة .                                             (أ/هند محمد المقصبي :مرجع سابق صفحة 128) 

ونستطيع القول أن هيبة القضاء وقوته من هيبة من هيبة الدولة وقوتها, فإذا ضعف القضاء ضعفت الدولة لأنها ستقوم على الباطل والظلم لذلك فإن مبدأ استقلال القضاء له صلة وطيدة بالحقوق المدنية للإنسان الثابتة في العهود الدولية التي التزمت بها الدول الموقعة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعلى الاتفاقيات الأخرى.          (منذر الفضل : مبدأ استقلال القضاء -السلطة القضائية وضمانات حق التقاضي في العراق -أكاديمي وخبير قانوني - السويد عضو لجنة كتابة الدستور العراقي عام 2005م صفحة 14) 

وعلى الرغم من وجود مبدأ الفصل بين السلطات والنص عليه في الدساتير والقوانين المختلفة, إلا أنه لم يحل دون تدخل باقي السلطات -بشكل أو بآخر- في عمل السلطة القضائية, بحسبان أن السلطة القضائية تقف إزاء سلطتين أقوى منها, فالسلطة التشريعية تصدر تشريعات ملزمة للسلطة القضائية ولغيرها, أما السلطة التنفيذية فتمارس مهامها من خلال إصدار قرارات تنظيمية, وتكون مسئولة عن تنفيذ القوانين فضلاً عن دورها في التدخل بتنظيم الجهاز القضائي وبالتالي فدور السلطة القضائية بالنسبة للسلطتين التشريعية والتنفيذية يمكن وصفه بأنه دور سلبي, وبالتالي يتبين ضغفها إزاء باقي السلطات . فليس أقل من دعم موقفها من خلال استقلالها في أداء وظيفتها ولن يتحقق ذلك إلا من خلال وجود هذا المبدأ مبدأ استقلال القضاء.                 (الدكتور / رمضان إبراهيم عبدالكريم : مبدأ استقلال القضاء.دراسة مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي -كلية الشريعة والقانون بطنطا -جامعة الأزهر صفحة 20) ويرى بعضهم أنه كلما استقل القضاء عن السلطة السياسية زاد تواصله وتكامله مع المجتمع وانتظمت رقابته وحمايته وصيانته للنسيج الاجتماعي, وكذلك تفاعله مع القيم السائدة ومع التغيير الاجتماعي بشكل سلمي .....   .                 (أنطوان مسرة وبول مرقص , القضاء في الدول العربية ,بيروت 2007م ورقة خلفية عن القضاء في لبنان صفحة 369 أشار إليه القاضي الدكتور غالب غانم رئيس مجلس القضاء الأعلى في لبنان في ورقة العمل التي أعدها بعنوان :أثر المتغيرات الجديدة على استقلال القضاء صفحة 12)الفرع الثالث: الهدف من استقلال القضاء: إن الهدف من استقلال القضاء ومن حماية هذا الاستقلال هو تحقيق العدالة التي لا يمكن أن تتحقق في غياب أحد مقوماتها الأساسية وهو استقلال القضاة وحماية هذا الاستقلال من أي تدخل أو تأثير .                                (عبدالرحمن بن عمرو : مرجع سابق صفحة 1) حيث يعد استقلال القضاء شرط مسبق لسيادة القانون وضمانة جوهرية للمحاكمة العادلة على نحو ما أكدته لجنة الأمم المتحدة لحقوق الانسان (مجلس حقوق الانسان في الأمم المتحدة حالياً ) أن استقلال السلطة القضائية والفصل بين السلطات عنصرين أساسيين من عناصر الديموقراطية, واستقلال السلطة القضائية هو عنصر من عناصر الديموقراطية وسيادة القانون والحكم السليم ينبغي تدعيمه على المستوى المؤسسي إزاء سائر فروع السلطة, وعلى صعيد القضاة كأفراد.                (علاء شلبي: استقلال القضاء ودوره في ضمان عدالة المحاكمات, مركز الميزان لحقوق الانسان صفحة 13)

المطلب الثاني: أساس مبدأ استقلال القضاء وطبيعته القانونية ومظاهر المبدأ:

الفرع الأول : أساس مبدأ استقلال القضاء: يستمد مبدأ استقلال القضاء وجوده من مبدأ الفصل بين السلطات غير أنه اذا كان مبدأ الفصل بين السلطات نسبياً, فإن مبدأ استقلال القضاء في إقامة العدالة هو مبدأ مطلق وهو الأكثر ضماناً لحقوق وحريات المواطنين, كما أنه أسبق في الوجود من مبدأ الفصل بين السلطات لارتباطه الوثيق بمبادئ العدالة التي لا يمكن أن تتحقق الا إذا كان القاضي مستقلاً عن أية سلطة أخرى ومتحرراً من أي مؤثر خارجي غير قدسية العدل وحكم القانون.                                           (د/سعيد الشرعبي : مرجع سابق صفحة 181)                  فعند دراسة مبدأ استقلال القضاء نجده ترتب عن المبدأ الدستوري الهام وهو الفصل بين السلطات الذي ظهر بكونه الوسيلة الضامنة لمنع تركيز السلطة وترجع الجذور التأريخية للفصل بين السلطات الى القرنين السابع عشر والثامن عشر ميلادي حيث استمد مضمونه من الأنظمة السياسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت, وأثرت هذه الفلسفة على الفقه الفرنسي عام 1789م الذي نص على هذا المبدأ في المادة 16من اعلان حقوق الانسان والمواطن الفرنسي .                                                (أ/هند محمد المقصبي :مرجع سابق صفحة 130)

الفرع الثاني: الطبيعة القانونية لمبدأ استقلال القضاء : مبدأ استقلال القضاء مبدأً دستورياً أرسته معظم دساتير العالم  – فلقد نصت على هذا المبدأ معظم دساتير العالم الحر ومنها دستور الجمهورية اليمنية في المادة (149) منه إذ نصت على أن ((القضاء سلطة مستقلة قضائياً ومالياً في أداء مهامها, والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأي جهة وبأي صورة التدخل في القضايا أو في أي شأن من شئون العدالة, ويعتبر هذا التدخل جريمة يعاقب عليها القانون ولا تسقط الدعوى فيها بالتقادم))ويترتب على كون هذا المبدأ دستورياً ما يلي:

1-لا يجوز لأي تشريع أن ينكر مبدأ استقلال القضاء أو يقيده أو يتنقص منه وإلا عد باطلاً لمخالفة الدستور, لأن القضاء لا يستطيع أن يقوم برسالته في تحقيق العدل إلا في ظل نظام قانوني يحترم استقلال القضاء.

 2-لا يجوز لأية سلطة التدخل في اختصاص القضاء, أو اختيار محكمة بعينها لفئة من الناس أو تشكيل المحكمة من عناصر غير قضائية. 

3-لا يجوز لسلطة الاتهام (النيابة العامة) التدخل في شئون قضاء الحكم ولهذا يعد إصدار النيابة لأوامر جنائية أو لأوامر في مسائل مدنية مخالفاً لمبدأ استقلال القضاء كما لا يجوز لأية سلطة إدارية فرض عقوبات كجزاء لمخالفات. لأن ذلك يعد مساساً باستقلال القضاء ومتصادماً مع الدستور.                                        (د/سعيد الشرعبي : مرجع سابق صفحة 182)                     وقد أكد الدستور الوحدوي للجمهورية اليمنية على استقلال القضاء وفق مبدأ صريح اشتمل على خطر التدخل في أعماله واعتبار التدخل في أعماله جريمة لا تسقط بالتقادم م(149) ومنحت المادة 152 منه السلطة القضائية سلطة دراسة وإقرار مشروع موازنة القضاء تمهيداً لإدراجها رقماً واحداً في الموازنة العامة للدولة حيث نصت على ((يكون للقضاء مجلس أعلى ينظمه القانون ويبين اختصاصاته وطريقة ترشيح وتعيين أعضائه ويعمل على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة من حيث التعيين والترقية والفصل والعزل وفقا للقانون ويتولى المجلس دراسة وإقرار مشروع موازنة القضاء تمهيدا لإدراجها رقماً واحداً في الموازنة العامة للدولة)).          (القاضي /شائف علي محمد الشيباني : استقلال السلطة القضائية إيجابيات الاستقلال وسلبيات التبعية الإدارية والمالية للسلطة التنفيذية صفحة 14)الفرع الثالث: مظاهر مبدأ استقلال القضاء : 

  • الاستقلال الوظيفي : وهو يعني أن القاضي لا يخضع لسلطة رئاسية تملي عليه ما يقضي به في الخصومات المنظورة أمامه أو يكون مسئولاً أمامها عن هذا القضاء وإنما يخضع مباشرة للقانون الذي يطبقه وفقاً لما يملي عليه اقتناعه وضميره  مادة (120) من الدستور , ولا يؤثر في هذا الاستقلال الرقابة الإدارية على القضاة أو الرقابة القانونية على الأحكام القضائية .      

                                                (د/سعيد الشرعبي : مرجع سابق صفحة 183)     مع التنبيه إلى أن المقصود بالوظيفة القضائية في هذا الجانب ديناميكية عمل السلطة القضائية أو نشاطها بوصفها كياناً خاصاً متميزاً دون انصراف الذهن الى وصف القضاء وعمّا اذا كان سلطة أم وظيفة لأن النقاش بهذا الصدد محسوم لكونه سلطة, وعليه يمكن وصف الاستقلال الوظيفي أو الموضوعي للسلطة القضائية بأنه عدم التدخل فيما يصدر عن القضاء من أعمال سواء بالتعديل أو التبديل أو الإلغاء من جهات خارجة عنه وبالأخص السلطة التنفيذية.                                (الأستاذ الدكتور/ عدنان عاجل عبيد : أثر استقلال القضاء عن الحكومة في دولة القانون -خبير دستوري- المركز العربي للنشر والتوزيع صفحة 251) 

  • الاستقلال الشخصي للقاضي: وهو يعني أن القاضي يُكَوِّنُ رأيه في البحث عن الحق والعدل دون خوف أو ضغط من شخص أو جهة أو سلطة ولو تمثلت في الرأي العام , كما يعني أن يكون القاضي في مأمن من شبح الحاجة في معيشته بأن يكون رزقه الشهري في مأمن, وأن يكون القاضي غير خائف من العزل أو الفصل أو الحرمان من الترقية, ولهذا تتجه النظم القانونية إلى تقرير مجموعة من الضمانات تدفع عن القضاة الخوف والحاجة الى الآخرين بتقرير مرتب وعدم القابلية للعزل وعدم جواز النقل والندب إلا برضاه.

                                             (د/سعيد الشرعبي : مرجع سابق صفحة 183)   وهو ذاته الاستقلال العضوي ومفاده إبعاد تأثير الحكومة على أشخاص القضاة عند ممارستهم لمهامهم القضائية أو بسببها سواء أكان هذا التأثير بوسائل مادية كالقوة أو بوسائل قانونية كاستعانة الحكومة بالصلاحيات الممنوحة لها إزاء القضاة ولهذا أكد الميثاق العالمي للقضاة على الاستقلالية الشخصية في المادة الرابعة من الميثاق بقولها (على أي شخص  ألا يحاول أن يعرض أوامر أو تعليمات على القاضي من أي نوع قد تؤثر على أحكامه القضائية...).                                (الأستاذ الدكتور/ عدنان عاجل عبيد : مرجع سابق صفحة 121) ومما لا ريب فيه أن الاستقلال المنشود لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان تنظيم الشؤون الإدارية للقضاء بعيدا عن دواليب السلطة التنفيذية ، وهي ضمانة هامة تسهم في ترسيخ مبدأ استقلال القضاء واستقراره فمسائل تعيين القضاة وعزلهم و نقلهم و ترقيتهم و إحالتهم على التقاعد و مساءلتهم تأديبياً أو جنائياً أو مدنياً كل هذه المسائل يجب أن تنظمها السلطة القضائية نفسها بعيدا عن تدخل السلطة التنفيذية بمعنى أن يكون أمر القضاة كله بيدهم دون غيرهم كما يؤكد استقلال القضاة و يجعلهم يؤدون أعمالهم على النحو المبتغى، أن يكون أمر القضاء كله بيد القضاة فإن كان تعيين القضاة يتم وفقا لإجراءات معينة و يراعي فيه قدر من التدقيق الواجب فإنه و من ناحية أخرى فإن تأديب القضاة و نقلهم و عزلهم يجب أن تستقل به الجهة القضائية وحدها ، وأن يعطي للقاضي أوجه الضمانات للدفاع عن نفسه .                    (د. علاوة هوام :ضمانات استقلال السلطة القضائية في الدساتير العربية-جامعة باتنة 2015 صفحة 113)3-الاستقلال المؤسسي: ويعني أن على الهيئة القضائية أن تكون مستقلة عن غيرها من الأفرع الحكومية وتحديداً الفرع التنفيذي والبرلمان ووفقاً للمبدأ 1 من المبادئ الأساسية لاستقلال الهيئة القضائية الذي أقره مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين عام 1985م : "تكفل الدولة استقلال السلطة القضائية وينص عليه دستور البلد أو قوانينه ومن واجب جميع المؤسسات الحكومية وغيرها من المؤسسات احترام ومراعاة استقلال السلطة القضائية"    (حقوق الانسان في مجال إقامة العدل : دليل بشأن حقوق الإنسان خاص بالقضاة والمدعين العامين والمحامين صفحة 109.)

المطلب الثالث: ضمانات استقلال القضاء وآثار مبدأ استقلال القضاء:

الفرع الأول: ضمانات استقلال القضاء: إنَّ استقلال القضاء يتطلب وجود ضمانات ضِد القوى الخارجية والداخلية معاً، بمعنى آخر فإنه يستلزم تطبيقاً فعَّالاً وفعلياً لمبدأ الفصل بين السلطات للوقاية من محاولات اغتصاب السلطة القضائية من قبل سلطات خارجية (أي سلطات الحكومة الأخرى)، وبالإضافة إلى ذلك فإنها ترمي إلى حماية القضاة من التأثيرات غير المشروعة التي قد يتعرضَّون لها من داخل السلطة القضائية نفسها، أي شاغلي المناصب القضائية العليا أو المجالس القضائية الإدارية العليا.                     (نذير ثابت القيسي :أثر الضمانات التأديبية للقضاة في تعزيز مبدأ استقلال القضاء : دراسة مقارنة دراسات - علوم الشريعة والقانون الناشر: الجامعة الأردنية - عمادة البحث العلمي -دار المنظومة – الرواد في قواعد المعلومات العربية مجلد 44 التأريخ 2017م  صفحة 272) ويمكن تقسيم ضمانات استقلال القضاء وفقاً للآتي:

 1-الضمانات الدستورية والقانونية : وتتضمن (الاعتراف باستقلال القضاء كمبدأ 

-أن تكون إعادة النظر في الأحكام القضائية من اختصاص السلطة القضائية 

-الولاية التامة والكاملة للقضاء -حظر انتماء القضاة للأحزاب السياسية). 

2-الضمانات المتعلقة بإدارة السلطة القضائية : وتتضمن (الإدارة الذاتية من قبل مجلس قضائي لا الحكومة – الاستقلال المالي بتخصيص ميزانية مستقلة للهيئة القضائية يحدد حجم تلك الميزانية بناء على توصية الهيئة القضائية العليا ). 

3-الضمانات المتعلقة بالقضاة : وتتضمن (الحماية القانونية للقضاة من كل أنواع التهديد والانتقام من قبل أي جهة أو مؤسسة أو فرد من الأفراد – تأمين الجانب المعيشي للقضاة بتخصيص رواتب مجزية تحقق لهم ظروف معيشية مستقرة).                            (د/رزكار محمد قادر: مرجع سابق صفحة 223) 

إن استقلال القضاء ليس غاية في حد ذاته وإنما هو الوسيلة التي تضمن احترام حقوق الانسان وتحقق له المحاكمة العادلة ويستقر بها تحقيق الديموقراطية وهذا الاستقلال لا يتحقق إلا بوجود ضمانات وأهم الضمانات التي حددتها المواثيق الدولية وتضمنتها التشريعات الدستورية هي:

-النص على مبدأ استقلال القضاء في الدستور

-عدم قابلية القضاة للعزل-الإدارة الذاتية والولاية الكاملة للقضاء .                                   (أ/هند محمد المقصبي :مرجع سابق صفحة 134) 

4-الضمانات المتعلقة بتهيئة الملاك القضائي : وتتمثل في ( أن يتم تأهيل القضاة من ناحيتين, الناحية العلمية والمهنية والناحية الأخلاقية المهنية الضرورية لمهنة القضاء ابتداءً بمراعاة مبدأ تكافؤ الفرص وفتح المجال على قدم المساواة لكل الراغبين الانخراط في العمل القضائي دون تمييز للون أو عرق أو دين أو لغة أو مذهب أو مكانة اجتماعية عدا الاعتبارات القانونية وأن يكون القبول من قبل لجنة قضائية لا حكومية ولا حزبية بعد توافر الشروط المطلوبة وتجاوز الاختبارات ثم بعد ذلك تمريرهم بدورات تدريب وتأهيل في معاهد خاصة من قبل أكفاء في المجالين القانوني والقضائي

 -كذلك من الناحية الأخلاقية المهنية إصدار لوائح وتعليمات تحدد صفاتهم الشخصية والاجتماعية التي يجب عليهم التحلي بها .                    (د/رزكار محمد قادر: مرجع سابق صفحة 223

كما أن الرقابة الدستورية على دستورية القوانين تعد واحدة من أهم الضمانات التي تكون بيد السلطة القضائية التي تواجه بها باقي السلطات خصوصا السلطة التشريعية. 

فكما أن للسلطة التشريعية حق التدخل الإيجابي في شؤون و تنظيم القضاء بإصدار القوانين المنظمة له يجب أن تعطى إمكانية للقضاء بأن يقف ضد نفاذ كل تشريع يخالف الدستور و هو ما أكدته العديد من الدساتير العربية التي أوكلت مهمة الرقابة على دستورية القوانين للمحاكم كالمحكمة الدستورية العليا في مصر والمحكمة الإتحادية العليا في العراق.                                                  (د. علاوة هوام :مرجع سابق صفحة 115)

الفرع الثاني: آثار مبدأ استقلال القضاء:                   

أن من أهم النتائج المترتبة على مبدأ استقلال القضاء: أن القاضي يعتبر عضواً في سلطة مستقلة وليس موظفاً في أحد مرافق الإدارة العامة وهو ما يميزه عن الموظف العام حيث يستند القاضي في أدائه لوظيفته الى نصوص دستورية وقانونية وليس الى توجيهات إدارية تخضع لمبدأ التسلسل الإداري – منح الدستور المحاكم وحدها صلاحية الفصل في القضايا – الحيلولة دون إصدار السلطة التشريعية لأي قوانين تستثني بعض القضايا أو المنازعات من الخضوع لاختصاصات المحاكم.     (القاضي د/يحيى محمد الماوري :استقلال القضاء في التشريعات اليمنية في ضوء المبادئ الدولية , عضو المحكمة العليا صفحة 9)

وقد لخصها الدكتور سعيد الشرعبي في الآثار الآتية: 

-عدم جواز قيام السلطة التشريعية أو التنفيذية بالفصل في الخصومات بين الأفراد , ولا يجوز للسلطة التشريعية أن تناقش قضية معينة ما زالت منظورة أمام القضاء. 

-منع رئيس الجمهورية من الفصل في القضايا بنفسه وإنما يجوز له فقط حق العفو عن العقوبة أو تخفيفها , ومنع وزير العدل من إصدار تعليمات محددة للقضاة للحكم في قضايا معينة على نحو دون آخر , ومنع تدخل رجال الحكومة لدى القضاة لصالح أحد الخصوم أو للإضرار به سواء بأمر أو طلب أو توجيه أو رجاء ويعاقب كل من يخالف ذلك بالعقوبة المنصوص عليها في قانون العقوبات ولا تسقط العقوبة بالتقادم. 

-عدم جواز تدخل رئيس المحكمة التابع لها القاضي فليس على القاضي سلطة رئاسية في حكمه وإلا فقد استقلاله , كما لا يجوز لهيئة التفتيش القضائي إصدار تعليمات للقاضي في قضية معينة بأن يحكم على نحو معين ويقتصر دور الهيئة على الرقابة الإدارية على المحاكم . 

-لا يجوز للسلطتين التشريعية والتنفيذية تعديل الأحكام , ولا يجوز للسلطة التنفيذية الامتناع عن تنفيذ الأحكام , كما يمنع على المحاكم انتقاد السلطة التشريعية أو التنفيذية أو لوم  أعضاء النيابة , ويمنع أيضاً على السلطتين التشريعية أو التنفيذية انتقاد الأحكام القضائية بهدف الانتقاص من هيبة القضاء أما اذا كان النقد لغرض الإصلاح للهيئة القضائية فذلك مباح.                                (د/سعيد الشرعبي : مرجع سابق صفحة 184)   

 هذا من حيث النصوص النظرية أما الجانب التطبيقي في الواقع العملي فيخضع لظروف وعوامل أخرى ترتبط بدور المجتمع ومؤسساته الرسمية والمدنية ودرجة وعي المجتمع وتطوره الحضاري وتلك هي المشكلة التي يعانيها القضاء اليمني في مواجهة الواقع الاجتماعي المختلف.     (القاضي د/يحيى محمد الماوري :استقلال القضاء في التشريعات اليمنية في ضوء المبادئ الدولية , عضو المحكمة العليا صفحة 9)ونختتم البحث بالحكم الصادر عن المحكمة العليا اليمنية (الدائرة الدستورية) يوم الأحد تأريخ 16/رجب/1434هـ الموافق 26/مايو/2013م الذي أرسى فيه مبدأ استقلال القضاء وذلك في الدعوى المرفوعة أمامها من عدد من القضاة بشأن عدم دستورية عدد من نصوص قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م أبرز ما تضمنته المواد المطعون بعدم دستوريتها أنها جعلت سلطة مجلس القضاء الأعلى محصورة في إبداء الرأي بشأن مشروعات ميزانية السلطة القضائية وكذا جعلت للسلطة التنفيذية حق تعديل المرتبات والبدلات وغيرها للقضاة وهو ما يتعارض مع نص المادة (149) من الدستور التي نصت على أن القضاء سلطة مستقلة مالياً وإدارياً وقضائياً. مما يعني نظرياً وعملياً قيام الحكومة بوضع موازنة القضاء, وهو ما يترتب عليه انتزاع صلاحيات مجلس القضاء الأعلى والإطاحة بها الى مجرد إبداء الرأي كما يجعل للسلطات الأخرى زمام الهيمنة المالية على القضاء بما يخالف مبدأ استقلاليته. كما تضمنت الدعوى عدم دستورية نص المادة (67) من قانون السلطة القضائية بشأن تفويض القانون للحكومة ورئيسها بتقرير بدلات إضافية وتعديل جدول المرتبات القضائية ....وغير ذلك من نصوص قانون السلطة القضائية مفصلة في الحكم المشار اليه وما يهمنا هنا هو منطوق الحكم الذي انتهت المحكمة العليا والذي قضى بالآتي:

1)قبول دعوى المدعين عيسى قائد الثريب ونبيل محمد علي الجنيد وأحمد عبدالله مقبل الذبحاني وعادل عبده محمد العزاني شكلاً.

2)عدم دستورية الفقرة (و) من المادة (109) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م.3)عدم دستورية المادة (67) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م بشأن تقرير البدلات الإضافية وتعديل جدول المرتبات القضائية وما ترتب عليها وفقاً للحيثيات الواردة في هذا الحكم .

4)عدم دستورية المادة (101) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م فيما قررته من حصر وقصر لما يقبل التظلم فيه من شؤون القضاة في أحوال معينة ووفقاً للحيثيات الواردة في هذا الحكم .

5)عدم دستورية المواد (11 ,16/ب, 34, 39, 45, 54, 59, 65/ب-ج و, 66, 67, 68, 69, 70, 72, 73, 85/ب, 89, 90, 91, 92, 93,94/4, 95, 97, 98, 99, 111/2, 104, 106, 115/2, 118/1) فيما أسندته من صلاحيات لوزير العدل على النحو المعين في حيثيات هذا الحكم .

6)عدم اختصاص الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بنظر الطعن على المادة (143) من  قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 1991م.

7)يكون لهذا الحكم أثره المباشر ولا تأثير له في الأحكام القضائية والحقوق المكتسبة والمراكز القانونية المستقرة والأوضاع السابقة على نشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية.

8)لا حكم في المصاريف القضائية.

9)ينشر هذا الحكم في الجريدة الرسمية.  

  الخاتمة:

عرفنا في هذا البحث أن مبدأ استقلال القضاء هو عدم جواز التدخل والتأثير على القضاء من قبل الغير على ما يصدر عنه من إجراءات وقرارات وأحكام, سواء كان التدخل مادياً أو معنوياً وسواء تم بكيفية مباشرة أو غير مباشرة وبأية وسيلة من الوسائل, وأن أهمية هذا المبدأ تكمن في أنه الضمانة الأساسية لسيادة القانون وأن ضعف القضاء في أي دولة يؤدي حتماً لضعف تلك الدولة, وعرفنا أن أساس هذا المبدأ هو مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية, ثم تطرقنا لطبيعة مبدأ استقلال القضاء وانتهينا إلى كونه مبدأً دستورياً أرسته معظم دساتير العالم الحر ومنها دستور الجمهورية اليمنية, وأن مظاهر الاستقلال ثلاثة مظاهر وظيفي وشخصي ومؤسسي, كما تطرقنا لضمانات المبدأ ونتائجه أو الآثار المترتبة على إعماله وخلصنا الى أن الضمانات قد تكون دستورية وقانونية أو إدارية وأن أبرز آثار المبدأ هو إعطاء مساحة للقضاء للقيام بمهمته دون خضوع أو خوف أو تأثير من أي جهة ومن أي سلطة وهو ما يحفظ الحقوق ويكفل تحقق العدالة واختتمنا البحث بالمبدأ الدستوري الذي أرسته المحكمة العليا اليمنية بشأن دعوى عدم الدستورية المرفوعة من عدد من القضاة والتي خلص الحكم في تلك الدعوى الى الجزم بعدم دستورية المواد الطعينة وهو ما يجعل للقضاء سلطة إدارة نفسه مالياً وقضائياً وإدارياً دون خضوع لأي سلطة أخرى ودون تأثير من أية جهة على أدائه لوظيفته القضائية التي تحفظ الحقوق والأرواح وإن كان الواقع العملي ينبئ عن وجود بعض الاختلالات والتأثيرات على القضاء من جهات حكومية وتشريعية لكنها في النهاية تعد مخالفات للدستور اليمني ومبادئه التي أرساها وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.         

Comments
* The email will not be published on the website.