المسؤولية الجنائية والمساهمة الأصلية في جرائم القتل العمد: قراءة فقهية وقانونية لقاعدة (قتل الجماعة بالواحد) وتطبيقها على قضية خلية شارع خولان بصنعاء والحكم الصادر بإعدام ستة متهمين.

المسؤولية الجنائية والمساهمة الأصلية في جرائم القتل العمد: قراءة فقهية وقانونية لقاعدة (قتل الجماعة بالواحد) وتطبيقها على قضية خلية شارع خولان بصنعاء والحكم الصادر بإعدام ستة متهمين.


المحامي/أمجد خالد الغالبي 

تاريخ النشر: 2026/7/3م
#اعرف_حقك_وقانونك ⚖️🇾🇪
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الملخص:
تتناول هذه الدراسة إشكالية المسؤولية الجنائية والمساهمة الأصلية في جرائم القتل العمد، مع التركيز على قاعدة "قتل الجماعة بالواحد"، التي تعد من أبرز المبادئ الفقهية والقانونية في الشريعة الإسلامية والتشريعات الوضعية. تستعرض الدراسة الجذور التاريخية لهذه القاعدة من خلال واقعة "غلام صنعاء" في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتوثيقها في أمهات الكتب والمراجع الفقهية. كما تحلل الدراسة التأصيل الشرعي والنزاع الفقهي حول هذه القاعدة، مستعرضة أدلة جمهور الفقهاء والمخالفين. وتختتم الدراسة بتطبيق عملي على الحكم القضائي الصادر عن محكمة جنوب شرق الأمانة بصنعاء بتاريخ 30 يونيو 2026م، والذي قضى بإعدام ستة متهمين في قضية "خلية شارع خولان"، مع تحليل التكييف القانوني للمساهمة الجنائية في قانون الجرائم والعقوبات اليمني، مؤكدة على أهمية هذه القاعدة في تحقيق العدالة الردعية وحماية الأنفس المعصومة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمة
تُعد صيانة الدماء المعصومة وحماية الأنفس البشرية من أقدس الغايات التي توختها الشريعة الإسلامية وصاغتها التشريعات الجنائية الوضعية في نصوصها العقابية. وإن مبدأ القصاص، الذي يمثّل المرتكز الأساسي لتحقيق العدالة الردعية، واجه قديماً وحديثاً إشكالية فقهية وقانونية بالغة الأهمية، تتلخص في مدى جواز استيفاء القصاص من جماعة اشتركت في تدمير وإزهاق نفس واحدة. ولقد أسست واقعة "غلام صنعاء" الشهيرة في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه معلماً دستورياً وفقهياً صارماً يقضي بقتل الجماعة بالواحد في القتل العمد والتمالؤ.

 نتناول في دراستنا هذه التقرير الجنائي والشرعي التأصيل الفقهي والروائي لهذه القاعدة العظيمة، لكي نسقطها قانونياً وعملياً على الحكم القضائي الصادر في 2026/6/30م محكمة جنوب شرق الأمانة بصنعاء بإعدام ستة أشخاص أدينوا بالتآمر وتتبع وقتل رجل وزوجته بدم بارد وأمام طفليهما.

أولاً: الوقائع التاريخية لأثر الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه في "غلام صنعاء"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعود الجذور التاريخية والواقعية لهذه المقولة القضائية الشهيرة إلى قضية جنائية هزت مجتمع اليمن في عهد الخلافة الراشدة الثانية. وتتلخص وقائع القضية في أن غلاماً حدثاً من أهل صنعاء يُدعى "أصيل"، كان والده قد طلّق أمه وتزوج من امرأة أخرى. ذهب والد الصبي في سفر أو عمل تاركاً ولده في كنف زوجته الثانية بصنعاء. وكانت هذه المرأة تدير علاقات غير شرعية، وكان يدخل عليها في بيتها سبعة أخلاء.
اكتشف الغلام أصيل أمر هذه الخيانة المستترة؛ فخشيت المرأة وأخلاؤها من الفضيحة وانكشاف أمرهم لوالده. وهنا حاكت زوجة الأب مؤامرة غادرة، وقالت لأخلائها السبعة: "لا تستطيعون التمكن مني حتى تقتلوا ابن بعلي هذا". فاستجابوا لطلبها وعقدوا العزم وبيتوا النية على قتله. وعند التنفيذ، قامت المرأة بإمساك الصبي وتثبيته لهم داخل البيت، وقام الأخلاء بذبحه وقتله غيلة. ولإخفاء معالم الجرم، قاموا بإلقاء جثته في بئر غمدان بصنعاء، وتظاهروا بالبحث عنه كذباً مع الباحثين للتملص من الشبهة.
بيد أن العدالة الإلهية كشفت هذه المؤامرة الدنيئة بطريقة غير معتادة؛ إذ لاحظ أهالي القرية تجمعاً غريباً للذباب الأزرق وهو يصعد ويهبط من فوهة البئر. وعند تفحص البئر، عُثر على جثة الغلام أصيل مذبوحاً ومثقلاً بالجراح. تولى والي اليمن آنذاك، الصحابي يعلى بن أمية، التحقيق في الواقعة، واستطاع من خلال القرائن المتضافرة إجبار المتهمين على الاعتراف التفصيلي بالجرم، فاعترفت المرأة وأخلاؤها بالاشتراك الفعلي والمادي في القتل والتمالؤ عليه.
ونظراً لشناعة الجريمة وتعدد المشتركين في إزهاق نفس واحدة، تهيب يعلى بن أمية من إنفاذ القصاص في هذا العدد الكبير برجل واحد. فكتب رسالة مفصلة إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يستفتيه في الحكم. فجاءه الرد الحازم والقطعي مبرزاً هيبة الشريعة وسلطان القصاص؛ إذ كتب الفاروق: "أن اقتل المرأة وإياهم، فلو قتله أهل صنعاء أجمعون، قتلتهم به"، وفي رواية أخرى: "لو اشترك فيه أهل صنعاء، لقتلتهم". فنُفذ حكم الإعدام فيهم جميعاً بصنعاء، واستقرت هذه القضية كأقوى سابقة قضائية في الفقه الجنائي الإسلامي.

ثانياً: التوثيق للأثر في أمهات الكتب والمراجع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حُفظت هذه الجريمة وتفاصيل حكم الفاروق في مصادر السنة النبوية والفقه الإسلامي بأسانيد صحيحة، وتداولتها المذاهب الفقهية كحجة قاطعة لا تقبل التأويل. ويعرض الجدول التالي توثيقاً دقيقاً لأبرز المراجع والكتب المصنفة التي أوردت الواقعة ورواياتها المختلفة: 
▪ الموطأ للإمام مالك بن أنس (رواية يحيى بن يحيى الليثي): روى عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب قتل نفراً خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه غيلة، وقال: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً».
▪ المصنف للحافظ عبد الرزاق الصنعاني: أخرج الرواية مطولة بأسانيد متصلة عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، وأثبت فيها اسم المقتول «أصيل»، وذكر دور المرأة في تثبيت المجني عليه، وتعاون بقية الجناة على ذبحه وإلقائه في البئر.
▪ المصنف للحافظ ابن أبي شيبة: أورد الرواية في كتاب الديات والقصاص، مبيناً اتفاق الصحابة على قتل الجماعة بالواحد، ومنع إهدار الدماء بالتآمر والاشتراك في الجريمة.
▪ المغني للإمام ابن قدامة المقدسي: ذكر هذا الأثر في باب القصاص، وعدَّه دليلاً صريحاً ورئيساً على وجوب القصاص من جميع المشتركين في القتل العمد.
▪ الحاوي الكبير للإمام أبي الحسن الماوردي: استدل بالأثر، مبيناً انعقاد إجماع الصحابة عليه، ونقل الرواية بتفاصيلها الفقهية تأكيداً لوجوب القصاص من جميع المشاركين في الجناية.
▪ السنن الكبرى للإمام أبي بكر البيهقي: روى الأثر بإسناد صحيح، وأورد تفاصيل كتاب يعلى بن أمية إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما انتهى إليه قضاؤه في الواقعة
ولم يكن الفاروق عمر بن الخطاب بدعاً في هذا القضاء؛ بل عضده وأيده إجماع عملي من كبار الصحابة؛ حيث رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع القاضي شريح قضية مماثلة؛ إذ خرج رجال في سفر وصحبهم رجل ففُقد واتهم أهله رفاقه بالقتل. أحضرهم شريح وطلب من أولياء الدم شهوداً فلم يجدوا، فأراد تحليف المتهمين. لكن عندما عُرضت القضية على الإمام علي بن أبي طالب، عمد إلى إعمال الذكاء الجنائي وفرّق بين المتهمين في الاستجواب حتى تضاربت أقوالهم واعترفوا بالقتل، فأمر بهم وقُتلوا جميعاً بالواحد. هذا التطبيق العملي المتواتر من الخلفاء الراشدين يقطع بعقم أي قول ينادي بإفلات الجماعة القاتلة من القصاص.

ثالثاً: التأصيل الشرعي والنزاع الفقهي في حكم "قتل الجماعة بالواحد"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تصدى فقهاء الأمصار لهذه المسألة الجنائية، وانقسموا فيها إلى اتجاهين فقهيين، استند كل منهما إلى نصوص الكتاب والسنة والقواعد الكلية:
1- اتجاه جمهور الفقهاء (القول بوجوب قتل الجماعة بالواحد)
وهو مذهب فقهاء الأمصار والجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل (في الرواية المعتمدة والشهيرة التي اختارها الخرقي). واستدلوا بالآتي:
من القرآن الكريم:

- قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 179). فالحكمة من القصاص هي الحفاظ على الحياة وحقن الدماء. ولو امتنع قصاص الجماعة بالواحد لتعطلت هذه الحكمة بالكلية؛ إذ سيعمد كل من أراد قتل امرئ إلى الاستعانة بآخرين ليتمكن من قتله دون أن يقتص منه أحد، مما يؤدي إلى استفحال الجريمة وشيوع الفوضى وسفك الدماء تحت مظلة التآمر الجماعي.
- قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: 50)؛ فاحترام النفس البشرية ومجازاة الجناة بالعدل هو جوهر هذا الدين العظيم رداً على ممارسات الجاهلية التي كانت تهدر دماء الضعفاء وتحمي العصابات المسلحة.
- قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (الإسراء: 33)؛ فجعل الله لولي الدم سلطاناً لاستيفاء القصاص من القاتل، واللفظ يشمل الجماعة المتآمرة على حد سواء؛ لأن سلطان الحق لا يضيق بتعدد المعتدين.

من السنة النبوية الشريفة:
- قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته: "ألا من قُتل له قتيل فأهله بين خيرتين: إما أن يقتلوا وإما أن يأخذوا العقل"؛ ووجه الدلالة الفقهية أن اللفظ "من قتله قتيل" صيغ بلفظ يتناول الجماعة كالفرد؛ إذ إن اسم الموصول "من" ينطلق بمدلوله اللغوي والجنائي على الواحد والجماعة المتضامنة في الفعل.

من القواعد الفقهية الكلية:
- قاعدة "القصاص مزجرة للسفهاء تحقيقاً لحكمة الإحياء": فالقتل بطريق التآمر والتغالب هو الغالب في ارتكاب جرائم القتل العمد والعدوان. والزجر لا يتحقق بشكل ناجز إلا بنزول العقوبة بكل يد آثمة ساهمت في إزهاق تلك النفس المعصومة.- قاعدة "سد الذرائع": وهي الركيزة الدستورية والسياسية الجنائية التي انطلق منها عمر بن الخطاب والصحابة. وتتلخص في سد الطريق على المجرمين من اتخاذ الاشتراك والتواطؤ الجماعي ذريعة ووسيلة للتخلص والنجاة من عقوبة القصاص الفردية؛ فلو سقط القصاص بمجرد كثرة الفاعلين، لسقطت حماية الدماء ولتجرأ الناس على ارتكاب أبشع الجرائم عبر تكتلات وعصابات تقتل الفرد الواحد وتفلت من القود.

2- اتجاه المخالفين (القول بعدم قتل الجماعة بالواحد)
وهو قول داود الظاهري (وأهل الظاهر)، وابن الزبير، والزهري، ورواية ثانية عن الإمام أحمد بن حنبل. وذهب هؤلاء إلى وجوب الدية مقسمة عليهم بالسوية دون القصاص؛ مستدلين بظاهر قوله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} (المائدة: 45). واحتجوا بأن دم الفرد الواحد لا يكافئ دماء الجماعة المتعددة.
وقد رد الجمهور على هذا الاحتجاج بأن حرمة النفس الواحدة المعصومة تعادل حرمة الجماعة لقوله تعالى: {مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32). 

كما أن نصيب كل فرد من المشتركين في الفعل الجنائي هو نصيب كامل من الجريمة ومن الإثم المغلظ، وبما أن نصيب كل منهم جناية تامة مستوجبة للعقاب، وجب سريان القصاص عليهم جميعاً دون تفريق.

رابعاً: دراسة تطبيقية على قضاء محكمة جنوب شرق أمانة العاصمة بصنعاء (30 يونيو 2026م)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتجلى امتداد هذه القاعدة الشرعية الراسخة في الحكم القضائي:
1- وقائع القضية المروعة وطريقة التنفيذ

تعود وقائع هذه القضية الشنيعة إلى منتصف شهر ديسمبر عام 2025م حيث خطط المتهمون ونفذوا جريمة اغتيال مروعة في شارع خولان المزدحم بالعاصمة صنعاء. وتتلخص الوقائع في قيام المتهمين برصد وتتبع مسار سيارة المجني عليه وزوجته. استخدم الجناة في عملية التتبع والترصد سيارتين ودراجة نارية لضمان إحكام الحصار المادي على الضحايا ومنع أي فرصة لنجاتهما.
وعند وصول المجني عليهما إلى نقطة محددة بشارع خولان، وتحت مرأى ومسمع من طفليهما الصغيرين اللذين كانا برفقتهما داخل المركبة، انقض الجناة على السيارة وفتحوا عليها وابلاً كثيفاً من الرصاص العمدي والعدواني، مما أدى لوفاة الزوج والزوجة على الفور بمشهد مأساوي غارق بالدماء، مع إصابة أحد الطفلين بجروح بالغة وترويع شديد لهما.

2- منطوق الحكم القضائي 
عقدت المحكمة جلسات علنية متتالية واجهت فيها المتهمين بقرارات الاتهام والأدلة والقرائن القوية التي أثبتت التخطيط والتمالؤ المسبق وتوزيع الأدوار بدقة متناهية. وقضى منطوق الحكم الصادر حضورياً بما يلي:

- أولاً: إدانة ستة متهمين بجريمة القتل العمد والعدوان المسندة إليهم في قرار الاتهام.
- ثانياً: معاقبتهم جميعاً بالإعدام رمياً بالرصاص حتى الموت قصاصاً وحداً لقتلهم عمداً وعدواناً المجني عليهما المجني عليه (هـ. ك.) وزوجته المجني عليها (أ. ض.).
- ثالثاً: براءة المتهم السابع "المتهم السابع (ع. م. أ. م.)" لعدم ثبوت الأدلة الكافية بحقه.
- رابعاً: إلزام المدانين الستة بتسليم أولياء دم المجني عليهما مبلغ 10 ملايين ريال يمني كتعويض مالي عن الأضرار التي لحقت بهم (بما في ذلك التعويض للطفلين أنس وحمية).
- خامساً: إلزام المدانين بدفع 3 ملايين ريال يمني مقابل مخاسير التقاضي وأتعاب المحاماة لأولياء الدم.

خامساً: التكييف القانوني للتمالؤ والاشتراك والتخطيط في قانون الجرائم والعقوبات اليمني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتسق قانون الجرائم والعقوبات اليمني النافذ (القرار جمهوري بالقانون رقم 12 لسنة 1994م) اتساقاً مطلقاً مع مبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها الجنائية. 

وقد نظم المشرع اليمني صور المساهمة الجنائية في الجريمة (سواء أكانت أصلية أم تبعية) وحدد شروط "التمالؤ" والتنسيق والتخطيط بدقة بالغة تحول دون تهرب أي شريك من المسؤولية الجنائية الكاملة.
وفيما يلي تحليل دقيق للمواد القانونية التي انطبقت بتمامها وكمالها على جناة قضية شارع خولان بصنعاء:


1- المساهمة الأصلية والتمالؤ على مسرح الجريمة (المادة 21)
وتُعد حجر الزاوية في إدانة جميع أعضاء هذه الخلية كـ "فاعلين أصليين". وتنص على ما يلي:
"يعد فاعلاً من يحقق بسلوكه عناصر الجريمة ويشمل ذلك المتمالئ الموجود على مسرح الجريمة وقت حدوثها، ويعد فاعلاً بالواسطة من يحمل على ارتكاب الجريمة منفذاً غير مسؤول... ويعد فاعلين من يقومون معاً بقصد أو بإهمال مشترك بالأعمال المنفذة للجريمة".
تطبيق المادة على الواقعة: التمالؤ لغة هو المساعدة والمظاهرة والتضافر على الرأي والعمل. وقانوناً، يتحقق التمالؤ في القتل العمد باجتماع إرادة عدة أشخاص وتنسيقهم المسبق لارتكاب القتل مع تواجدهم الفعلي في مسرح الجريمة وقت حدوثها للشد من أزر بعضهم وتسهيل الفعل.
وفي قضية شارع خولان، ثبت تواجد المدانين الستة على مسرح الجريمة مستقلين سيارتين ودراجة نارية؛ فالذي قاد الدراجة النارية، والذي تولى إغلاق الطريق بالسيارة الأخرى لمنع المجني عليه من الهروب، والذين أطلقوا النار مباشرة؛ كلهم يندرجون تحت مسمى "المتمالئ الموجود على مسرح الجريمة وقت حدوثها" بموجب نص المادة (21).

 وعليه، يعاملون جميعاً كفاعلين أصليين للجريمة ولا فرق بين من أطلق الرصاصة القاتلة وبين من قام بحصاره وحمايته وتأمين هروبه.

2- التحريض الجنائي (المادة 22)
تتناول المادة (22) من ذات القانون الجرائم المرتكبة بالتحريض والإغراء:
"يعد محرضاً من يغري الفاعل على ارتكاب جريمة، ويشترط لمعاقبته أن يبدأ الفاعل في التنفيذ...". فكل من دفع هؤلاء الجناة أو حثهم برأيه أو نفوذه أو إغرائه المادي أو المعنوي لقتل المجني عليهما يعد شريكاً في الجناية العمدية متى ما شرع الفاعلون في التنفيذ المادي.

3- الاشتراك التبعي والمساعدة المادية والمعنوية (المادة 23)
وتحدد المادة شروط الاشتراك بالمساعدة التبعية على النحو التالي:

"الشريك هو من يقدم للفاعل مساعدة تبعية بقصد ارتكاب الجريمة وهذه المساعدة قد تكون سابقة على التنفيذ أو معاصرة له، وقد تكون لاحقة متى كان الاتفاق عليها قبل ارتكاب الجريمة...".
لقد وزعت الخلية أدوارها الإجرامية بشكل احترافي ومنسق مسبقاً. فعمليات الترصد والتعقب، توفير الأسلحة النارية والذخائر، وإعداد السيارات والدراجات النارية؛ هي أعمال مساعدة تبعية سابقة ومعاصرة لتنفيذ الجريمة تقع بتمامها تحت طائلة المسؤولية التبعية للشريك المنصوص عليها في المادة (23).

4- وحدة المسؤولية العقابية في المساهمة الجنائية (المادة 24)
وتنص المادة على الآتي:

"في الجرائم التعزيرية من ساهم في الجريمة بوصفه فاعلاً أو محرضاً أو شريكاً يعاقب بالعقوبة المقررة لها ما لم ينص القانون على خلاف ذلك...".
وهذا النص يقرر قاعدة وحدة العقوبة وتساوي المساهمين في العقوبة المقررة للجريمة التامة، طالما اتحدت نيتهم الإجرامية وقصدهم المشترك لإحداث النتيجة الإجرامية ذاتها.

5- النص الدستوري القاطع لقصاص الجماعة بالواحد (المادة 58)
لحسم أي تأويل أو محاولة للالتفاف القضائي من قبل وكلاء الدفاع عن الجناة، صاغ المشرع اليمني مادة قطعية الدلالة واضحة العبارة لا تدع مجالاً للاجتهاد، وهي المادة (58) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني التي تنص بوضوح وجلاء:
"يقتص من الرجل بالمرأة ومن الجماعة بالواحد مهما تعدد الجناة".
إن هذه المادة هي الصياغة التشريعية القانونية المعاصرة لمقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في قضية غلام صنعاء. وبموجبها، أطبق القضاء اليمني في حكمه الأخير حكم الإعدام قصاصاً وحداً بحق الجناة الستة المتآمرين لقتل المجني عليه (هـ. ك.) وزوجته المجني عليها (أ. ض.). 

فتعدد الجناة في هذه الواقعة وتضامنهم المادي والمعنوي لإزهاق دماء الزوجين لا يخفف عقوبتهم، بل يفرض الإعدام على كل نفس آثمة ساهمت في ارتكاب هذه الجريمة المروعة.

سادساً: الخاتمة
يتضح من العرض السابق أن قاعدة "قتل الجماعة بالواحد" من المسائل التي حظيت باهتمام واسع في الفقه الإسلامي، وأخذ بها جمهور الفقهاء، كما تبناها المشرع اليمني بنص صريح في المادة (58) من قانون الجرائم والعقوبات.
كما يتبين أن نظام المساهمة الجنائية في القانون اليمني لا يقصر المسؤولية على الفاعل المباشر، وإنما يمتد ليشمل كل من ساهم مساهمة أصلية في تنفيذ الجريمة، متى ثبت اشتراكه واتحاد قصده مع بقية الجناة وفقاً لأحكام المسؤولية الجنائية المقررة قانوناً، بما يمنع إفلات أي مساهم من المساءلة بسبب تعدد الجناة أو توزيع الأدوار بينهم.
وتبرز أهمية هذه القاعدة في تحقيق مقاصد العدالة الجنائية، ومنع التحايل على أحكام القصاص عبر توزيع الأدوار بين الجناة، بما يضمن حماية الحق في الحياة وصيانة الدماء، ويعزز من فاعلية الردع العام والخاص في مواجهة جرائم القتل العمد، مصداقاً لقوله تعالى:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
وفي ضوء ذلك، تمثل القضية محل الدراسة نموذجاً تطبيقياً لكيفية توظيف قواعد المساهمة الجنائية في مواجهة الجرائم المرتكبة بصورة جماعية، مع بقاء الفصل في كل واقعة رهناً بما يقدم فيها من أدلة وما تنتهي إليه قناعة المحكمة وفق الإجراءات والضمانات المقررة قانوناً.
ويبقى القضاء هو الجهة المختصة بتقدير الوقائع، ووزن الأدلة، وتكييفها قانوناً، وإصدار الأحكام وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية والقانون النافذ، بما يحقق العدالة ويحفظ الحقوق.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.