تشهد البشرية ثورة تقنية غير مأهولة قوامها الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد أداة مساعدة بل فاعلاً رئيسياً في تشكيل حياة الأفراد عبر بناء "توأم رقمي" (Digital Twin) لكل شخص من بياناته وتفاعلاته. هذا التوأم يُستخدم في التصنيف والتنبؤ واتخاذ قرارات مصيرية (كالتوظيف والائتمان)، مما يضع القانون أمام تحدٍ جوهري: كيفية حماية الإنسان من سلطة خوارزمية غير شفافة وغير خاضعة للمساءلة.تتناول هذه الورقة البحثية الإشكالية في ضوء التشريع اليمني، الذي يفتقر – شأنه شأن معظم التشريعات العربية – إلى إطار قانوني محدد ينظم الجرائم المعلوماتية بشكل خاص. فالنصوص المتعلقة بهذا الشأن متفرقة بين قانون حق الحصول على المعلومات وقانون الجرائم والعقوبات، ولم تتسع لمفاهيم حديثة مثل التمييز الخوارزمي، وحق النسيان الرقمي، والمسؤولية عن القرارات الآلية. وتستند الورقة إلى حالة دراسية تعكس واقعاً متكرراً: رفض شخص لوظيفة بسبب تقييم خوارزمي استند إلى منشور قديم لا يعكس وضعه الحالي، مما يبرز الانتهاكات المترتبة على غياب التنظيم (انتهاك الخصوصية، التمييز في الحقوق، الاستغلال الاقتصادي للتفاعلات دون عوض، غياب المساءلة).تهدف الدراسة إلى تقديم رؤية تشريعية مستقبلية تقوم على "العقد الاجتماعي الرقمي الجديد"، الذي يعيد توزيع الحقوق والالتزامات بين الأفراد والمنصات الرقمية، ويؤسس لسيادة الخصوصية التشفيرية، وحق النسيان، والملكية الاقتصادية للتفاعلات. وتختتم الورقة بصياغة مواد مقترحة لقانون يمني لحماية البيانات الشخصية، مستفيدة من التجارب المقارنة (GDPR الأوروبي، قوانين الأردن والإمارات والسعودية)، مع تقديم توصيات عملية لتطوير التشريع والقضاء والأوساط الأكاديمية.الكلمات المفتاحية: التوأم الرقمي، حماية البيانات الشخصية، التمييز الخوارزمي، حق النسيان، العقد الاجتماعي الرقمي، القانون اليمني. المقدمة (Introduction)في غمرة الثورة التقنية غير المأهولة، لم تعد خوارزميات الذكاء الاصطناعي مجرد أدوات مساعدة، بل تحولت إلى فاعل رئيسي في تحديد مسار حياة الأفراد . فمن خلال جمع كم هائل من البيانات وتنميطها، يتم بناء توأم رقمي (Digital Twin) لكل شخص، يُستخدم في التصنيف والتنبؤ واتخاذ القرارات المصيرية. هذه الظاهرة تضع القانون أمام تحدٍ غير مسبوق: كيف نحمي الإنسان من سلطة لا تُرى ولا تُحاسب؟في اليمن، كما في معظم الدول العربية، لم يواكب التشريع هذه التحولات، ولم يجعل للجرائم المعلوماتية قانوناً خاصا، بل جعلها شائعة بين القوانين، فالقوانين الحالية وبالأخص (قانون حق الحصول على المعلومات و قانون الجرائم والعقوبات) لا تزال تنظر إلى الجرائم المعلوماتية من زاوية تقليدية، دون التطرق إلى مفاهيم جوهرية مثل "التمييز الخوارزمي"، أو "حق النسيان الرقمي"، أو "المسؤولية عن القرارات الآلية". وتؤكد الدراسات الأكاديمية المتخصصة أن اليمن لا يمتلك إطارًا قانونيًا محددًا ينظم الجرائم المعلوماتية بشكل خاص (3ب) .لتوضيح هذه الإشكالية، يمكن الاستشهاد بحالة دراسية (Case Study) تعكس واقعًا متكررًا: تقدم شخص لوظيفة طبيب نفسي بعد تأهله علمياً ومهنياً، فوجئ برفضه بناءً على تقييم خوارزمي استند إلى منشور قديم له على فيسبوك يعود إلى عام 2000 يعبر فيه عن حزنه لعدم حصوله على وظيفة في ذلك الوقت . ورغم مرور 26 عاماً وتغير وضعه النفسي والمهني تماماً، ظل المنشور القديم ملتصقاً به كوصمة دائمة. هذه الحالة تطرح إشكالية قانونية مركزية تتمثل في غياب تنظيم قانوني للهوية الرقمية للشخص الطبيعي (التوأم الرقمي) في التشريع اليمني مما ينجم عنه انتهاكات متعددة:
اقرأ المزيد